ابن العربي
532
أحكام القرآن
المسألة الخامسة عشرة - يحتمل قوله : إلّا ما يتلى عليكم الآن ، أو إلّا ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان . وفي هذا دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة ، وهي مسألة أصولية ، وقد بيناها في المحصول ، ومعناه أن اللّه سبحانه أباح لنا شيئا وحرّم علينا شيئا استثناه منه . فأما الذي أباح لنا فسماه [ وبيّنه ] « 1 » . وأما الذي استثناه فوعد بذكره في حين الإباحة ، ثم بيّنه بعد ذلك في وقت واحد أو في أوقات متفرقة على اختلاف التأويلين المتقدّمين ، وكلّ ذلك تأخير للبيان ، واللّه أعلم . المسألة السادسة عشرة - قوله تعالى : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ : فيه ثلاثة أقوال : الأوّل - معناه أوفوا بالعقود غير محلّى الصّيد . الثاني - أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية غير محلّى الصيد وأنتم حرم . الثالث - أحلّت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم إلا ما كان منها وحشيا فإنه صيد لا يحل « 2 » لكم وأنتم حرم . المسألة السابعة عشرة - في تنقيحها : أما قوله : إن معناه أوفوا بالعقود غير محلى الصيد وأنتم حرم فاختاره الطبري والأحفش ، وقالا : فيه تقديم وتأخير ، وهو جائز في نظام الكلام وإعرابه ؛ وهذا فاسد ؛ إذ لا خلاف أن الاستثناء إذا كان باسم الفاعل فإنه حال ؛ فيكون تقدير الآية أوفوا بالعقود لا محلّين للصيد في إحرامكم . ونكث العهد ونقض العقد محرم ، والأمر بالوفاء مستمر في هذه الحال وفي كل حال . ولو اختص الوفاء بها في هذه الحال لكان ما عداها بخلاف على رأى القائلين بدليل الخطاب . وذلك باطل أو يكون مسكوتا عنه . وإنما ذكر الأقل من أحوال الوفاء وهو مأمور به في كل حال ، وهذا تهجين للكلام وتحقير للوفاء بالعقود . وأما من قال : أحلّت لكم الوحشية فهو خطأ من وجهين : أحدهما - أن فيه تخصيص بعض المحللات « 3 » ، وهو تخصيص للعموم بغير دليل لا سيما عموم متفق عليه .
--> ( 1 ) من ل . ( 2 ) في ا : ولا يحل . ( 3 ) في ل : المجملات .